الإمام الصادق حياته وعصره آراؤه وفقهه - محمد أبو زهرة

٤٦

أما بعد: فإننا قد عقدنا العزم بعون الله وتوفيقه أن نكتب عن الإمام جعفر الصادق، وقد كتبنا عن سبعة من الأئمة الكرام، وما أخرنا الكتابة عنه لأنه دون أحدهم، بل إن له فضل السبق على أكثرهم، وله على الأكابر منهم فضل خاص. فقد كان أبو حنيفة يروي عنه، ويراه أعلم الناس باختلاف الناس، وأوسع الفقهاء إحاطة.


وكان الإمام مالك يختلف إليه دارسا راويا، ومن كان له فضل الأستاذية على أبي حنيفة ومالك، فحسبه ذلك فضلا، ولا يمكن أن يؤخر عن نقص، ولا يقدم غيره عليه عن فضل، وهو فوق هذا حفيد علي زين العابدين، الذي كان سيد أهل المدينة في عصره فضلا وشرفا ودينا وعلما، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهرى وكثيرون من التابعين. وهو ابن محمد الباقر، الذى بقر العلم ووصل إلى لبابه، فهو ممن جمع الله تعالى له الشرف الذاتى، والشرف الإضافي بكريم النسب، والقرابة الهاشمية، والعترة المحمدية.


تأخرنا فى الكتابة عنه تها لمقامه، ولأن طائفة من الناس قد غالوا فى تقديره ولكنا تأخرنا : ومنهم من انحرفوا، فادعوا له الألوهية، وكثيرون ادعوا أنه فى مرتبة قريبة من مرتبة النبوة. والعلماء الذين عاصروه والذين جاؤوا من بعدهم، وصفوه بأنه فى الذروة فى العلماء، واعترفوا له بالإمامة في فقه الدين، ولم يتجاوزوا مرتبة العالم الإمام، والمجتهد المتبع الذي يؤخذ عنه، وأخذ عنه الأئمة الأعلام، وأضاف بذلك إلى شرف النسب وطهارة العرق فضل العلم والإمامة فيه، فاجتمع له الفضلان.


في آخر القرن الأول الهجري ونصف القرن الثاني، كان البيت العلوي اكبر مصادر النور والعرفان بالمدينة المنورة. فإنه منذ نكبة الإسلام بمقتل الشهيد ابن الشهيد وأبي الشهداء الحسين بن علي رضي الله عنهما انصرف آل البيت إلى العلم النبوي يتدارسونه، وفيهم ذكاء آبائهم، وهداية جدهم، والشرف الهاشمي الذي علا بهم عن سفساف الأمور، فاتجهوا إلى معاليها.


وقد بعدوا عن السياسة؛ لأنهم ذاقوا مرارتها، ولم يعرفوا حلاوتها، وتوارثوا ذلك الاتجاه العلمي فورثوا الإمامة فيه كابرًا عن كابر. وإذا كانوا قد بعدوا عن سلطان أهل الدنيا، فقد آتاهم الله سلطان أهل الآخرة.


فعلي زين العابدين كان إمام المدينة نبلًا وعلما، وكان ابنه محمد الباقر وريثه في إمامة العلم ونبل الهداية. ولذا كان مقصد العلماء من كل البلاد الإسلامية، وما زار أحد المدينة إلا عرج على بيت محمد الباقر يأخذ عنه.


وكان ممن يزوره علماء من الذين يتشيعون لآل البيت، وعلماء من أهل السنة، وكان يقصده بعض المنحرفين الغلاة في تشيعهم الذين أفرطوا، فكان يبين لهم الحق. فإن اهتدوا أخذ بيدهم إلى الحق الكامل، وإن استمروا على غيهم صدهم وأخرجهم من مجلسه.


وكان يقصده من أئمة الفقه والحديث كثيرون منهم سفيان الثوري وسفيان بن عيينة محدث مكة، ومنهم أبو حنيفة فقيه العراق. وكان يرشد كل من يجيء إليه، ويبين له الحق الذي لا عوج فيه. ولنذكر مناقشة جرت بينه وبين أبي حنيفة فقيه العراق وكان أبو حنيفة قد اشتهر بكثرة القياس في الفقه حتى تناولته الألسن بالملام.

بعض ما جرى بينهما:

قال محمد الباقر : أنت الذي حولت دين جديﷺ وأحاديثه إلى القياس!

قال أبو حنيفة : اجلس مكانك كما يحق لي، فإن لك عندي حرمة كحرمة جدكﷺ في حياته على أصحابه فجلس ثم جثا أبو حنيفة بين يديه، ثم قال: إني سائلك عن ثلاث كلمات فأجبني: الرجل أضعف أم المرأة ؟

قال الباقر : المرأة أضعف.

قال أبو حنيفة: كم سهم المرأة في الميراث ؟

قال الباقر : للرجل سهمان وللمرأة سهم.

قال أبو حنيفة : هذا علم جدكﷺ، ولو حولت دين جدكﷺ لكان ينبغي في القياس أن يكون للرجل سهم وللمرأة سهمان لأن المرأة أضعف من الرجل. ثم الصلاة أفضل أم الصوم ؟

قال الباقر: الصلاة أفضل.

قال أبو حنيفة : هذا قول جدكﷺ، ولو حولت قول جدكﷺ لكان أن المرأة إذا طهرت من الحيض أمرتها أن تقضي الصلاة ولا تقضي الصوم.

ثم البول أنجس أم النطفة ؟

قال الإمام الباقر : البول أنجس.

قال الإمام أبو حنيفة : لو كنت حولت دين جدكﷺ بالقياس لكنت أمرت أن يغتسل من البول، ويتوضأ من النطفة. ولكن معاذ الله أن أحول دين جدكﷺ بالقياس.

فقام الإمام الباقر وعانقه وقَبَّل وجهه.

ومن هذا الخبر تتبين إمامة الباقر للعلماء، يحضرهم إليه ويحاسبهم على ما يبلغه عنهم أو يبدر منهم، وكأنه الرئيس يحاكم مرؤوسيه ليحملهم على الجادة، وهم يقبلون طائعين تلك الرياسة.


وقد كان رضي الله عنه يجل الصحابة، ويخص بفضل من الإجلال الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ويقول في ذلك أثابه الله تعالى ونفع بعلمه: «من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة». ولقد قال الجابر الجعفي من أصحابه: «يا جابر، بلغني أن قوما من العراق يزعمون أنهم يحبوننا، ويتناولون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ويزعمون أني أمرتهم بذلك. فأبلغهم أني إلى الله بريء منهم، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن أستغفر لها وأترحم عليهما. إن أعداء الله عنهما الغافلون.»


وكان رضي الله عنه مفسرا للقرآن، ومفسرًا للفقه الإسلامي، مدركا حكمة الأوامر والنواهي، فاهما كل الفهم لمراميها. وكان راويًا للأحاديث، يروي أحاديث آل البيت، ويروي أحاديث الصحابة من غير تفرقة.

قراءة المزيد
الوزن ٠٫٥ كجم

٤٦

إضافة للسلة