فلا يخفى على عاقل فضل الانتماء إلى سلف هذه الأمة عقيدة ومنهجا وسلوكا، فهم سرج الظلام، ومصابيح الدجى، وحملة العلم، ونقلة الحديث، ومن تأمل علمهم وعبادتهم وسلوكهم رأى فضلهم على من بعدهم، وقدم أقوالهم على أقوال من دونهم.
ومما يحزن ويؤسف له انحراف بعض التيارات الغالية عن جادة السلف، مع دعوى الانتماء، ومزاعم الاتباع، فلا هم الذين فهموا طريقة السلف، ولا هم الذين سلكوا مسلكهم، ثم وبعد هذا كله عادوا على أهل السنة والجماعة بالعداء والثلب والتنقص، وصرحوا بذم طريقتهم وما هم عليه، وصاروا بهذا يعادون منهجا يزعمون اتباعه ويهدمون بناء يدعون تشييده، فعياذا برب العالمين من الشبهات المضلة، والبدع المهلكة.
تتناول هذه الرسالة دراسة فرقة معاصرة من فرق الغلو في التبديع والتكفير، وهي فرقة الحدادية، و قدمت بين يدي الرسالة أصولا عامة للتبديع عند أهل السنة مع بيان معنى البدعة والتبديع لغة واصطلاحا، ووضحت طريقة السلف في التعميم، وصحة إطلاقهم التكفير على بعض المقالات ،وذمها، كمقالات القدرية والمرجئة والأشاعرة، وأن طريقتهم التفصيل في التعيين، وأن السلف قد يطلقون أوصاف الثناء والصلاح والإمامة على العالم إذا استحق ذلك، ولو نقلت عنه زلة أو خطأ عقدي، لذا تعاملوا مع قتادة وابن أبي نجيح وهما من القدرية تعاملا يخالف تعاملهم مع غيلان المصلوب وعمرو بن عبيد، ووصف السلف ابن طهمان ومسعرا بالصلاح وأجمل الأوصاف وهما من المرجئة، ووثق السلف الوحاظي وروى عنه الشيخان وهو جهمي.