وبعد : فإِنَّ عِلْمَ المنطقِ عِلْمٌ من علوم الآلة، يحتاجه طالب العلم لفهم مصطلحاتٍ دارت في كتب الشَّريعة، ويُعِينُهُ على مواجهة الشُّبَه، ويُجَلِّي أمامه كثيراً من الحقائق.
وقد صنف فيه علماء الإسلام قديما وحديثا، وساهموا بشكل جلي في تخليصه ممَّا شَانَهُ من كلام الفلاسفة المخالف لشريعتنا.
وقد تداولت هذه الكتبَ أيدي طُلَّابِ العلم حفظا ودراسة، وتناولها العلماء بحثاً وشرحاً.
وَيَسُرُّ دار الفيحاء أن تُقدّم في هذا الباب من العلم كتاب: «سيف الغُلابِ على مغني الطلاب شرح إيساغوجي» بحُلَّةٍ جديدةٍ بهيَّةٍ، بعد مقابلته على أقدم مطبوعاته، مع الشَّكل، والتَّفقير، وعلامات الترقيم، والتشجير، والتعليق البسيط الشارح للمواضع الغامضة فيه، وذلك تسهيلا وتبسيطاً على طُلَّابِ العلم.
فَإِنَّ الْمَنْطِقَ مِعْيَارُ العُلُومِ وَمِيزَانُهَا، وَمَحِكَ الْأَنْظَارِ وَمَيْدَانُهَا، بِهِ يَتَمَيَّزُ صَحِيْحُ الفِكْرِ مِنْ فَاسِدِهِ، وَقَوِيُّهُ مِنْ ضَعِيْفِهِ، وَغَثُهُ مِنْ سَمِيْنِهِ. مَنْ أَدْرَكَ قَوَاعِدَهُ انْقَادَتْ لَهُ العُلُومُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الفُنُونُ، وَذَلَّتْ لَهُ رِقَابُ الْمَعَارِفِ، فَلَا وُثُوقَ بِعِلْمٍ مَنْ جَافَاهُ، وَلَا تَعُويْلَ عَلَى عَقْل مَنْ عَادَاهُ، وَلَا طُمَأْنِيْنَةَ بِمَعْرِفَةِ مَنْ قَلَاهُ.
وَقَدْ كَانَ مَتْنُ «إِيْسَاغُوجِي» لِرَيْحَانَةِ الْمَنَاطِقَةِ وَإِمَامِ الحُكَمَاءِ وَعُمْدَةِ أَهْلِ العَقْلِ أَثِيرِ الدِّيْنِ الأَبْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تِلْكَ الْمُتُونِ الَّتِي يَمَّمَ الطَّالِبُونَ قِبْلَتَهَا، وَأَنَاخُوا رَكَائِبَهُمْ بِسَاحَتِهَا، وَوَضَعُوا رِحَالَهُمْ بِبَابِهَا؛ لِمَا وَجَدُوهُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ مِنْ وَجَازَةِ الْمَبْنَى مَعَ عَظِيْمِ الْمَعْنَى، فَجَرَّدَ العُلَمَاءُ أَقْلَامَهُمْ شَرْحًا لِغَوَامِضِهِ، وَبَيَانًا لِفَوَائِدِهِ، وَاقْتِنَاصًا لِشَرَائِدِهِ، وَهَدْمًا لِأَسْوَارِهِ، وَهَتْكًا لِأَسْتَارِهِ.
وَمَا زَالَ ذَوُو العُقُولِ وَالحِجَا مِنَ الأَئِمَّةِ الفُحُولِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنَ العُصُورِ وَقَرْنٍ مِنَ القُرُونِ يَتَنَاوَلُونَ هَذَا الْمَتْنَ الْمُبَارَكَ بِالشَّرْحِ وَالبَسْطِ إِلَى أَنْ جَاءَ الإِمَامُ الْمِفَنُّ وَالعَلامَةُ الجِهْذُ مَحْمُودُ بْنُ الحَافِظِ حَسَن المَغْنِيْسِيُّ الحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَعْمَلَ فِي هَذَا الْمَتْنِ الْمَتِيْنِ ثَاقِبَ نَظَرِهِ وَقَوِيٌّ فِكْرِهِ وَسَدِيْدَ عَقْلِهِ، فَشَرَحَهُ شَرْحًا أَبْرَزَ المَكْنُونَ مِنْ جَوَاهِرِهِ، وأظْهَرَ الْمُضْمَرَ مِنْ سَرَائِرِهِ، خَالٍ عَنِ الحَشْوِ وَالتَّطْوِيلِ، حَاوِ لِلدَّلِيلِ وَالتَّعْلِيلِ، وَسَمَّاهُ «مُغْنِيَ الطُّلابِ»؛ لِيَكُونَ زَادًا لِأُولِي البَصَائِرِ وَالأَلْبَابِ.
ثُمَّ جَاءَ مِنْ بَعْدِ هَذَا العَالِمِ النَّحْرِيرِ وَالعَلَم الْمُنِيفِ العَلَّامَةُ الحَاجُّ مُحَمَّدُ الفَوْزِيُّ الأَدِرْنَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَشَرَحَ هَذَا الشَّرْحَ المَاتِعَ النَّافِعَ شَرْحًا يُوضِحُ مِنْ مَعَانِي مَبَانِيْهِ مَا خَفَا، وَيُفْصِحُ عَنْ مَفْهُومٍ مَنْطُوقِهِ بِأَلْفَاظِ تُذْهِبُ عَنِ الفَهُم جَفَا، فَكَانَ ذَلِكَ السِّفْرَ الَّذِي لَا يُبَارَى وَالشَّرْحَ الَّذِي لَا يُجَارَى، وَسَمَّاهُ بِـ سَيْفِ الغُلَّابِ عَلَى مُغْنِي الطَّلَابِ»؛ لِيَكُونَ عُدَّةً فِي فَهُم هَذَا الكِتَابِ.